حيدر حب الله
227
منطق النقد السندي (بحوث في قواعد الرجال والجرح والتعديل)
وقد حصل مع ابن معين نوعٌ من التحوّل الذي حكم طبيعة المفردة الرجاليّة ، فلو قمنا بمقارنة بين ابن سعد وابن معين ، لأمكننا معرفة تلك الحقيقة ، فصحيح أنّ ابن سعد قد ينقل لنا معلومات ثريّة تاريخيّة ترتبط ببعض الرواة ، لكنّنا صرنا نلمس مع ابن معين لغةً جديدة اتجهت أكثر فأكثر نحو التخصّص الرجالي والحديثي ، ومن ثم فهو يشكّل نقطة انعطاف رئيسة في تاريخ علم الرجال ، الأمر الذي جعل الآخرين يشهدون له بالتقدّم في هذا المضمار ، حتى قال عنه الإمام أحمد بن حنبل : كان أعلمنا في علم الرجال . ترك لنا ابن معين عدداً من المصنّفات ، مجموعها الأصلي ثلاثة : التاريخ والعلل ، ومعرفة الرجال ، والضعفاء ، ومن النقاط الجديرة بالاهتمام في المنهج العام الذي حكم آراءه الرجاليّة ، أنّ تلك النقولات والآراء لا تخضع لنظام خاصّ من ناحية الترتيب ، فقد كانت هناك جملة من المصنّفات الرجاليّة في تلك العصور أشبه ما تكون بمجموعةٍ على شكل سؤال وجواب ، وكانت تحصل على الشكل التالي : يقوم أحد تلامذة ابن معين مثلًا ، فيسأله عن الراوي الفلاني ، فيبادر ابن معين بالجواب فيما يرتبط بهذا أو ذاك من الرواة ، فيتشكّل من ذلك إرثٌ رجاليّ خاص بالشيخ المجيب . وهذه الإجابات كانت ذات طابع تخصّصي ، تحمل معها فكر ولغة المجيب نفسه ، وعلى سبيل المثال ، من المصطلحات التي تجد رواجاً في تراث ابن معين ، مصطلح ( ليس بشيء ) ، فمدلول المصطلح وضعيّاً يفيد دلالة خاصّة لكنّها تغاير ما يعنيه ابن معين منه ، حيث نُسب له أنّه يقصد أنّ الراوي قليل الحديث جداً ، وهكذا . وهذا ما ينبغي التنبّه له كما ألمحنا في نهاية الحديث عن ألفاظ الجرح والتعديل في الفصل السابق من هذا الكتاب . ويبقى أنّ هناك ظاهرة مثيرة جديرة بالاهتمام ، وهي أنّنا نجد لابن معين رأيين في راوٍ واحد ، إلى حدّ أنّهما قد يتناقضان بين التوثيق وغيره ، وهذا ما نلمسه بكثرة في تضاعيف مصنّفات ابن معين الرجاليّة ، ونظراً لموقعيّة ابن معين بين الرجاليّين صاروا يبدون اهتماماً بالغاً بهذه الظاهرة عنده على غرابتها ، بهدف معرفة الأسباب التي دعته إلى ذلك ، وتقديم الحلول العلميّة الخاصّة ، فكان من تلك الحلول ، عدول ابن معين عن رأيه الأوّل في